عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
85
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 224 إلى 225 ] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 ) اللام في قوله « لأيمانكم » تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون مقوية لتعدية « عرضة » ، تقديره : ولا تجعلوا اللّه معدّى ومرصدا لحلفكم . والثاني : أن تكون للتعيل ، فتتعلّق بفعل النهي ، أي : لا تجعلوه عرضة لأجل أيمانكم . قوله : « أن تبرّوا » فيه ستة أوجه : أحدها : - وهو قول الزجاج « 1 » ، والتّبريزي ، وغيرهما - : أنها في محلّ رفع بالابتداء ، والخبر محذوف ، تقديره : أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا خير لكم من أن تجعلوه عرضة لأيمانكم ، أو برّكم أولى وأمثل ، وهذا ضعيف ؛ لأنه يؤدّي إلى انقطاع هذه الجملة عمّا قبلها ، والظاهر تعلّقها به . والثاني : أنّها في محلّ نصب على أنها مفعول من أجله ، وهذا قول الجمهور ، ثم اختلفوا في تقديره : فقيل : إرادة أن تبرّوا وقيل : كراهة أن تبرّوا ، قاله المهدويّ ، وقيل : لترك أن تبرّوا ، قاله المبرّد ، وقيل : لئلّا تبرّوا ، قاله أبو عبيدة والطّبريّ ؛ وأنشدا : [ الطويل ] 1083 - . . . فلا واللّه تهبط تلعة * . . . « 2 » أي : لا تهبط ، فحذف « لا » ومثله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ النساء : 176 ] ، أي : لئلا تضلّوا ، وتقدير الإرادة هو الوجه ، وذلك أن التقادير التي ذكرناها بعد تقدير الإرادة لا يظهر معناها ؛ لما فيه من تعليل امتناع الحلف بانتفاء البرّ ، بل وقوع الحلف معلّل بانتفاء البرّ ، ولا ينعقد منهما شرط وجزاء ، لو قلت في معنى هذا النهي وعلّته : « إن حلفت باللّه ، بررت » لم يصحّ ، بخلاف تقدير الإرادة ؛ فإنه يعلّل امتناع الحلف بإرادة وجود البرّ ، وينعقد منهما شرط وجزاء تقول : إن حلفت ، لم تبرّ ، وإن لم تحلف ، بررت . الثالث : أنّها على إسقاط حرف الجرّ ، أي : في أن تبرّوا ؛ وحينئذ : يجيء فيها القولان : قول سيبويه والفراء « 3 » فتكون في محلّ نصب ، وقول الخليل والكسائيّ ، فتكون
--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 1 / 293 . ( 2 ) تقدم برقم 935 . ( 3 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 17 .